عبد الملك الجويني

289

الشامل في أصول الدين

وقد وجّه شيخنا على هؤلاء قسمة بديهية لا مخلص لهم منها ، وقال : ما يشغل الحيز أو الأحياز - إلا بالتحاذي أجراما وأجساما - فلا يخلو من أقسام : إما أن تكون مثل الأجسام قدرا ومساحة ، وإما أن تكون أكبر منها ، وأكثر ذهابا في الجهات ، وإما أن تكون أصغر منها . وهذه قسمة بديهية نعلم بطلان المريد عليها بضرورة العقل ، فلو قدرنا المحاذي للعرش مثلا له ، للزم منه التصريح بإثبات القدر والنهاية . وإن قالوا : المحاذي للعرش أكبر منه ، فيلزم منه أمران يجران إلى الخروج عن الدين : أحدهما : أن الذي قابل العرش يجب أن يثبت له حكم التقدر . والوجه الآخر أنه إذا قابل العرش مقابل ببعضه ، وزاد على العرش ذهابا في الجهات والأقطار ، فقد ثبت له حكم التبعيض والتأليف للعرش ، وفيما قدمناه في الرد على المجسمة ما يوضح بطلان ذلك . وإن قدروا الموجود المقابل للعرش أصغر منه ، لزم تقدره بالقدر الذي يقابل العرش ، ولزم كون العرش أكبر منه ، ولا يخوض في هذا المخاض إلا متلاعب بالدين . فإن قالوا : بم تنكرون على من يثبت القديم محاذيا للعرش ، مقابلا له مع أنه لا يوصف بشيء مما ذكرتموه في الأقسام الثلاثة ؟ قلنا : القائل بذلك لا يخلو إما أن يصف القديم بكونه متحيزا شاغلا لحيز أو أحياز ، وإما أن لا يصفه بشغل الأحياز . فإن لم يصفه بشغل الأحياز ، فلا معنى لتخصصه بجهة ، فإن ما لا يشغل حيزا ، يستوي حكمه في إضافة الجهات إليه ، وإنما يختص بالجهة شاغلها ، ووضوح ذلك يغني عن كشفه . ووجه تقريب القول فيه : أن ما لم يشغل حيزا ، ولم يقم بشاغل حيز ، فيستحيل تقدير الاختصاص فيه ببعض الجهات . والمعتزلة لما أثبتوا إرادة في غير محل ، أحالوا اختصاصها بجهة ، وكذلك القول في الفناء المضاد للجواهر عندهم . وإن زعم الخصم أن المقابل للعرش شاغل الأحياز ، وهذا حقيقة أصلهم ، فكل ما يشغل حيزا ويقابل متحيزا ، فبضرورة العقل يعلم استحالة خروجه عن الأقسام الثلاثة المقدم ذكرها . ولو جاز ادعاء ما ادعوه ، لجاز للقائل أن يقول : الجواهر والأجسام إذا تقابلت ، فلا يتقدر بعضها ببعض ويخرج المقابل للشيء عن أن يكون مثله ، أو أكبر منه ، أو أصغر منه . ومن انتهى إلى ركوب ذلك ، سقطت مكالمته . ومن أوضح ما يلزمهم في القول بإثبات الأقدار أن نقول : كل ما لاقى متقدرا في جهة ، فجهة ملاقاته إياه منقطعة ، فقد انتهى في جهة الملاقاة ، وهذا ما لا خفاء به .